الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
84
مناهل العرفان في علوم القرآن
لا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه ، ولا ملزم يلزمه برعاية مصالح عباده . ولكن ليس معنى هذا أنه عابث أو مستبد أو ظالم ، بل إن أحكامه وأفعاله كلها - جل جلاله - لا تخلو عن حكمة بالغة ، وعلم واسع ، وتنزه عن البغى والظلم ؛ وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً . إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ . والمعتزلة يقولون : إنه تعالى يجب أن يتبع في أحكامه مصالح عباده ، فما كان فيه مصلحة لهم أمرهم به ، وما كان فيه مضرة عليهم نهاهم عنه ، وما دار بين المصلحة تارة والمفسدة أخرى ، أمرهم به تارة ونهاهم عنه أخرى . إذا تقرر هذا . فإن صغرى ذلك الدليل نستدل عليها من مذهب أهل السنة هكذا : النسخ تصرف في التشريع من الفاعل المختار الكبير المتعال ، الذي لا يجب عليه رعاية مصالح عباده في تشريعه ، وإن كان تشريعه لا يخلو من حكمة . وكل ما كان كذلك لا محظور فيه عقلا . وأما على مذهب أهل الاعتزال فننظم الدليل هكذا : النسخ مبنى على أن اللّه تعالى يعلم مصلحة عباده في نوع من أفعالهم وقتا ما فيأمرهم به في ذلك الوقت ، ويعلم ضرر عباده في هذا النوع نفسه من أفعالهم ولكن في وقت آخر ، فينهاهم عنه في ذلك الوقت الآخر . وكل ما كان كذلك لا محظور فيه عقلا . وكيف يكون محظورا عقلا ؟ ونحن نشاهد أن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص . والأزمان والأحوال فالطبيب يأمر مريضه يتناول الدواء ما دام مريضا ، ثم ينهاه عنه إذا أبل من مرضه وعاد سليما . والمربية تقدم إلى طفلها أخف الأغذية من لبن ونحوه دون غيره ، فإذا ترعرع ودرج حرمت عليه المراضع ثم انتقلت به إلى غذاء غير اللبن ونحوه وهكذا تنتقل به من الخفيف إلى الثقيل ، ومن الثقيل إلى الأثقل ، تبعا لتدرجه في مدارج القوة والضج .